الرئيسية / أحداث تاريخية بارزة / معركة سوق أهراس الكبرى 26 أفريل 1958
معركة سوق أهراس

معركة سوق أهراس الكبرى 26 أفريل 1958

بتوسع رقعة النشاط العسكري و السياسي للثورة التحريرية، بعد سنوات من انطلاقها وبالنّظر للدور المحوري الذي لعبته القواعد الخلفية في إمداد وتموين الثورة لا سيّما عبر الحدود الشرقية والغربية، اعتمدت السلطات الفرنسية على سبل جديدة أقل ما يمكن وصفها أنها جهنّمية وذلك بإقامة حواجــز مكهــــربة وملّــــغمة والمعروفة بخطي ” موريس وشال” وتعزيز قواتها العسكرية التي بلغت في مجموعها أكثر من خمسين ألف جندي وسبعة أفواج مدفعية وأربعة فيالق دبابات في الجبهة الشرقية وحدها، الأمر الذي دفع بقيادة جيش التحرير الوطني إلى تغيير أسلوب العمل العسكري لتمكين تدفق السلاح نحو الداخل، وتموين الولايات الداخلية البعيدة عن الحدود والتي لا منفذ لها غير القاعدة الشرقية والجهة الغربية.

وبذلك ظهرت حلقة جديدة من مسلسل معارك الحدود على طول خطي النّار “موريس وشال” والتي هي نفسها معارك العبور بالسلاح والذخيرة نحو الولايات الداخلية و التي تصبح فيما بعد من اعنف وأشرس المعارك التي عرفتها الثورة التحريرية.

            لقد اختلفت التسميات والمعركة واحدة، فمن قائل معركة جبل المواجن، وادي الشوك أو معركة سوق أهراس الكبرى التي تعد من أكبر المعارك على مستوى التراب الوطني بل هناك من اعتبرها أم المعارك، أم الشهداء، نظرا لعدد المشاركين من المجاهدين من جهة، وحجم القوات التي سخرتها السلطات الاستعمارية من جهة أخرى وكذا من حيث نتائجها.

إن استراتيجية قيادة جيش التحرير الوطني بالقاعدة الشرقية في تعاملها مع القوات العسكرية الفرنسية المكلّفة بمراقبة وحراسة الخطوط المكهربة ، كانت ترتكز على القيام بعمليتين أساسيتين هما:

  • مهاجمة الخطوط بهدف إحداث ثغرات تسمح باختراق وعبور الأسلاك الشائكة وحقول الألغام.
  • إحداث فيالق جديدة ابتداء من سنة 1958 أوكلت إليها مهمة قوات الاسناد والمتمثلة في حماية قوافل التسليح عبر نطاق القاعدة والولايتين الأولى والثانية، الأمر الذي كان ينتهي في أغلب الأحيان باصطدام حامي الوطيس مع فرق الجيش الفرنسي الرابضة بمحاذاة الخطوط المكهربة.

لقد خاض غمار هذه الملحمة التي وقعت يوم 26 أفريل إلى 03 ماي 1958 ، جنود الفيلق الرابع الحديث التشكيل التابع للقاعدة الشرقية وكانت قيادته كمايلي:

-محمد لخضر سيرين: قائدا للفليق ونوابه الثلاثة:

-يوسف لطرش: نائب عسكري.

-علي عبود ( باباي): نائب سياسي.

-أحمد دراية ( درايعية): نائب الاستعلامات.

وقد ضم الفيلق الرابع ثلاث كتائب:

  • الكتيبة الأولى بقيادة عثمان معنصر ( الخنشلي) قوامها 129 مجاهد.
  • الكتيبة الثانية بقيادة الشايب عيسى وتضم 130 مجاهد.
  • الكتيبة الثالثة بقيادة سالم جوليانو وتضم 132 مجاهد.
  • بالاضافة إلى قافلة نقل السلاح وأجهزة الإرسال اللاسلكي للدخول إلى الولايتين الثانية والثالثة وهي:
    • كتيبة ناحية الطاهير ( الولاية الثانية) على رأسها يوسف بوعجيمي ( البونيط) تضم 135 مجاهد.
    • كتيبة ناحية ميلة ( الولاية الثانية) على رأسها عبد الله باشا، تضم 135 مجاهد.
    • كتيبة ناحية سكيكدة ( الولاية الثانية) بقيادة محمد يسعد وتضم 125 مجاهد.
    • كتيبة الولاية الثالثة بقيادة أيت مهدي المدعو سي مقران.

    وحول إمكانيات الكتائب فإنّها كانت مزوّدة بأسلحة مختلفة ” رشاشات، بنادق، مدافع هاون عيار 45مم وقنابل يدوية”.

    للتدليل على أهمية هذه المعركة بالنسبة للطرف الفرنسي، تكفي الإشارة ألى أن الجنرال “فانيكسام” قائدا لمنطقة الواقعة شرق قسنطينة حتى نهاية تراب ولاية تبسة حاليا أي نقرين، أشرف شخصيا على قيادة العمليات العسكرية في هذه الملحمة الخالدة في تاريخ القاعدة الشرقية وثورة التحرير المجيدة، وعلى الرغم من فداحة الخسائر البشرية في صفوف المجاهدين. بعدما جمع العدو كلّ المعلومات عن جيش التحرير، جنّد للمواجهة الكبرى كل الامكانيات وهو الذي كان يتحين الفرص لتسديد ضربة قاضية تقصم ظهر الثورة، فاعتقد بأن الوقت قد حان لتنفيذ مخططه الوهمي. وهكذا شارك في معركة سوق أهراس الكبرى:
    الكتيبة الرابعة تابعة لقيادة الفليق.

  • الفيالق:الـ 4، الـ 9 ، الـ 14للقنّاصة المظليين، الـ 18، الـ 26، الـ 151 و152 للمشاة الميكانيكيــــــين، الـ 8 و28 للمدفعية بعيدة المدى وبعض فرق اللفيف الأجنبي. أما بالنسبة لسلاح الطيران الفرنسي، فقد شارك في هذه المعركة ما لايقل عن 97 طائرة من قاذفات

    القنابل، المروحيات، كورسير، ميسترال وبروسار الخفيفة والخاصة بتصحيح رماية مدفعية الميدان وأكثر من 150 شاحنة، دبابة، وسيارة عسكرية.

    ونظرا للتشكيل الحديث للفيلق، والتحاق وحدات الولايتين الثانية والثالثة به، تضاربت الآراء حول العدد الحقيقي للمجاهدين الذين خاضوا غمار ملحمة العبور وتحدوا العدو  و ترساناته  المتراصة في وضح النهار، غير أن هناك نوع من الاجماع على القول بأن متوسط العدد يتراوح بين 1100 و1350 كأكبر رقم. تحركت وحدات جيش التحرير (الفيلق الر ابع) بقيادة محمد لخضر سيرين، من منطقة “عين مازر” بالتراب التونسي الشقيق الواقعة مباشرة على الحدود الجزائرية التونسية، وذلك يوم 24 أفريل 1958، لتُعطي الكتيبة الأولى يوم 25 أفريل 1958 إشارة انطلاق أهم وأكبر معركة عبور في تاريخ الثورة الجزائرية، مدشنة بذلك ما سيُعرف لاحقًا في أدبيات الجيش الفرنسي بمعارك جيش التحرير الوطني على الحدود.

    كان الاشتباك الأول في جبل بوصالح بين الكتيبة الأولى ووحدة من الجيش الفرنسي خرجت – كما تذكر بعض المصادر –  للبحث عن مواطنين كانوا قد ذهبوا للاحتطاب في الغابة ولم يعودوا إلى منازلهم، مما اضطر عائلاتهم للتبليغ عن غيابهم، فاصطدمت القوتان في جبل بوصالح، وتم اكتشاف تواجد المجاهدين هناك مما دفع بقائد الفيلق إلى إصدار الأمر ببدء عملية العبور. بدأ اختراق خط موريس في اليوم الأول من المعركة، حيث تمكن عدد هام من جيش التحرير من العبور، وكان التحكم جيدا في مجريات المعركة وتم الحاق خسائر كبيرة بوحدات الجيش الفرنسي.

    لكن بعض الكتائب لم تتمكن من اجتياز الخط، مما اضطرها إلى العودة إلى الوراء باتجاه خنقة الزاوش” بمنطقة ويلاّن، ومعها بعض جنود كتائب الولايتين الثانية والثالثة. وبدءًا من اليوم الثالث للمعركة، أخذتْ تشكيلات جيش التحرير الوطني في التفكك بفعل قصف مدفعية الميدان بعيدة ومتوسطة المدى وخاصة تحت ضربات الطيران الحربي الفرنسي وعمليات الانزال التي قام بها في التلال والأماكن الاستراتيجية التي احتلها قبْل وصول المجاهدين للتمركز بها. وطيلة ثمانية أيام بلياليها – لأن العدو استخدم الصواريخ المضيئة لمنْع المجاهدين من التسلل خارج ميدان المعركة من جهة، ومن جهة ثانية لحرمانهم من أخذ أدنى قسط من استراحة المحارب – صمد المجاهدون أمام قصــــف الــــطيران، و مدفعية الميدان  و الغازات السامة والنابالم، فلم يستسلم أي واحد منهم للعدو، ضاربين بذلك أروع الأمثلة على الصمود والتحدي، رغم أنهم دفعوا ضريبة باهظة حيث سجل ما بين 500 إلى 700 شهيد في هذه الملحمة الخالدة في تاريخ الثورة التحريرية.

    لقد كانت معركة سوق أهراس الكبرى صورة من صور تلاحم الشعب الجزائري وصموده واتحاده على هدف واحد وهو مقاومة المحتل، إذ شارك فيها مجاهدون من مختلف مناطق الوطن، فسجلوا تضحيات جسيمة في سبيل الوطن، ووعيهم بوحدة الصف وإيمانهم القوي بالنصر القريب.

شاهد أيضاً

مجازر 8 ماي 1954

مجازر8 ماي 1945

من مسيرة سلمية إلى مجزة دامية  بقدر ما كان الثامن ماي تعبيرا عن فرحة  عمت ...