الرئيسية / معالم تاريخية / محرقة مغارة الظهرة

محرقة مغارة الظهرة

    لا يمكن الحديث عن الاستعمار الفرنسي في الجزائر دون التطرق إلى جرائمه و المجرمين الذين عاثوا في أرض الجزائر فسادا خاصة خلال النصف الثاني من القرن 19 على غرار كل من بيليسييه  (Pelissier)، كافينياك (Cavaignac) ، سانت آرنو  (Saint-Arnaud) وغيرهم من السفاحين الذين اعتمدوا سياسة الأرض المحروقة، و لقد فسر الجنرال بيجو (Bugeaud) عدم احترام الجيش الفرنسي للقواعد الإنسانية، في تعامله مع الجزائريين لأن احترام هذه الأخيرة يؤخر عملية احتلال الجزائر.

    و تندرج محرقة مغارة الظهرة ضمن السجل الدموي للمستعمر الفرنسي، بعد المحرقة التي اقترفها الكولنيل السفاح ” كافينياك” الذي أمر بمحرقة الصبيح، و الذي كان له السبق في هذا النوع من المجازر التي اعتمدها الجيش الفرنسي و التي تكررت مرارا تطبيقا لسياسة الإبادة  الجماعية.

    أراد المستعمر الفرنسي الانتقام من قبائل الظهرة بعد مساندتها لمقاومة “بومعزة” التي توسعت رقعتها في المنطقة ما أقلق كثيرا الجنرال “بيجو” إلى درجة أنه قرر وضع استراتيجية خاصة بهدف القضاء عليها، فبعث خمس قوافل عسكرية إلى المنطقة لتوزع عند وصولها عبر مختلف مناطق الظهرة لمحاصرتها، خاصة تلك المناطق التي امتدت إليها نار المقاومة و لإنجاح خطته جند خمسة قوافل عسكرية ضخمة للقضاء على مقاومة بومعزة، من بينها القافلة التي قادها الكولونيل “بيليسييه” المتكونة من جيش جرار قوامه 4000 جندي و التي خرجت من ثكنة ” أورليان فيل” (الشلف حاليا).

    عشية انطلاق هذه القوافل العسكرية و خروجها من ثكنتها تحركت وحدة استطلاعية يوم 17 جوان 1845، و تعمدت حرق المنازل و المحاصيل الزراعية و الأشجار المثمرة، ما دفع بأهالي ” أولاد رياح” إلى مهاجمة هذه الوحدة الاستطلاعية، و هكذا دارت مناوشات بينهما، قرر على إثرها الثوار الاختباء داخل مغارة محاذية لوادي “الفراشيش”. تمتد هذه المغارة على طول 200 م، و هي محفورة في مادة الجير وتتميز بظلام دامس و رطوبة كبيرة.

    في 18 جوان 1845 طوق ” بيليسييه” و جيشه مغارة الظهرة، و بعد عجزه عن اقتحامها بسبب الطلقات النارية التي كان يطلقها الثوار المحتمون بها، أعطى الأمر للمدفعية بقنبلة المغارة حتى يستسلم من بداخلها. و لما لم يتحقق هدفه، أمر بإضرام النار عند مدخلي المغارة. لقد اتبع الكولونيل “بيليسييه” نصائح الجنرال “بيجو” في التعامل مع قبيلة أولاد رياح حينما قال: “إذا انسحب هؤلاء الأوغاد إلى كهوفهم، قلدوا كافينياك في الصبيح،  دخنوا المداخل، عاملوهم كالثعالب “.

    و أسفرت صبيحة 19 جوان عن أبشع منظر يمكن أن يشاهده بشر، إذ توفي أغلب من كان في المغارة، و أحصى الفرنسيون 760 جثة. هذا الرقم لم يأخذ في الحسبان الأطفال الرضع الذين كانوا ملتصقين بأثداء أمهاتهم أو داخل ثيابهن، كما أنه أهمل عدد الجثث التي بقيت متراكمة فوق بعضها داخل المغارة. 

    و أمام هول ما حدث حاول ” بيليسييه”  و قائده  الماريشال ” بيجو” و وزير الحرب الفرنسي ” سولت” (Marechal Soult)  عبثا التستر على الجريمة التي أثارت سخطا عارما عالميا، فقد تردد صداها في الصحافة الدولية و في البرلمانات الأوروبية. إن هذا الفعل المشين لتنطبق عليه مقولة أحد الفرنسيين الذين هالهم ما رأوه من بشاعة المستعمر الفرنسي

 لقد تجاوزنا في الوحشية المتوحشين الذين جئنا لتمدينهم “

   لم يندم الكولونيل “بيليسسيه” على فعله الإجرامي، إذ بعد مرور إثنتي عشرة سنة على المحرقة و بالتحديد عام 1857 كتب: “…إن جلد أحد طبولنا، هو أثمن من جلود كل هؤلاء البؤساء”.

وصف الضابط الإسباني الذي كان شاهدا على المحرقة

“مامن ريشة يمكنها أن ترسم ذلك المنظر، في منتصف الليل و تحت ضوء القمر، ترى مجموعة من القوات الفرنسية منهمكة في إشعال نار جهنمية، و تسمع الأنين الخافت للرجال و النساء و الأطفال و الحيوانات، و صوت تكسر الصخور المتفحمة و المنهارة… في الصباح عندما حاولنا الوصول إلى مدخل المغارة، وجدنا جثث الثيران و الحمير و الاغنام و من تحتها الرجال و النساء و الأطفال …رأيت بأم عيني رجلا ميتا ركبته على الأرض، و يده تشد قرن ثور، و بجانبه امرأة تحمل طفلها بين ذراعيها، لقد اختنق هذا الرجل حينما كان يحاول إنقاذ أسرته من هيجان هذا الثور …لا شيء يمكنه وصف المنظر الرهيب للمغارة؛ كل الجثث كانت عارية و في وضعيات تدل على المعاناة التي تعرضوا لها قبل أن يموتوا…كان الدم ينزف من أفواههم…أحصينا 760 جثة”

رسائل تهنئة لبلسييه بعد محرقة الظهرة تناشده المزيد من الانتصارات المماثلة:

   رسالة حاكم سطيف الجنرال لويري داربوفيل (Loyré d’Arbouville): ” كل مسؤولياتك العسكرية التي أديتها في مغارات اولاد رياح تزيدك شرفا، و إني شخصيا لأباركها جملة و تفصيلا، و لا طالما خجلت من نفسي لأن الحظ لم يحالفني مثلك في هذه المهام”.

   و كتب إليه العقيد جرمان نيكولاس براهو (Germain Nicholas Brahaut) رئيس مكتب الدراسات التاريخية بوزارة الحربية: ” ليس بإمكانك الشعور بالحسرة جراء الانتقادات التي وجهت إليك من طرف البعض من الرسميين السياسيين، إنه جزاء تضحياتك خلال سنوات…إن حرق البرابرة العرب بالنسبة إلينا لهو من الضرورة بمكان، فهم لا يستحقون منا سوى الانتقام. و إن ما صدر في حقك من انتقادات أمر غير مقبول”.

شاهد أيضاً

معــتــقــل قـــصر الطـــير

معــتــقــل قـــصر الطـــير

موقعه و تأسيسه:           يقع معتقل قصر الطير في موقع إستراتيجي، يحده من الشمال قرية ...